October 20, 2018

رئيس التحرير

عماد توماس

ذكرت منظمة "أنقذوا الأطفال" الدولية، أنّ نصف أطفال العالم يواجهون مخاطر متعددة مثل الفقر والنزاعات المسلحة والتمييز على أساس الجنس.

وأوضحت المنظمة في تقرير صادر عنها،  أنّ نحو مليار طفل يعيشون في بلدان تعاني من الفقر، و240 مليون آخرين، يعيشون في بلدان تحدث فيها اشتباكات مسلحة.

وأضاف التقرير أنّ نحو 575 مليون طفلة تعيش في الدول التي تنتشر فيها ظاهرة التمييز على أساس الجنس.

وأشار إلى أنّ تأخر وصول المساعدات إلى المناطق المحتاجة، يقف وراء تعاظم المخاطر التي تهدد حياة الأطفال، دون ذكر عدد الأطفال بالعالم بالضبط.

ولفت التقرير إلى أنّ سنغافورة وسلوفينيا والنرويج والسويد وفنلندا، تأتي في مقدّمة الدول التي توفر الحماية المطلوبة للأطفال.

أيام قليلة تفصلنا عن عيد الطفولة، ويحتفل العالم بيوم إعلان قانون حقوق الطفل، وبينما تحتفل مصر مع دول العالم بهذا اليوم، يوجد في إحدى بقاعها عدد كبير من فلذات كبدها محرومون من طفولتهم، ممنوعون عن أبسط حقوقهم تحت سطوة لقمة العيش التي تدفعهم دون أدنى إرادة منهم إلى العمل في أكثر المهن قسوة وأشدها خطورة، في محاجر عروس الصعيد.. المنيا.

 

تشتهر المنيا بمحاجر الحجر الجيري في صحرائها الشرقية، لا صوت فيها يعلو فوق صوت الماكينات واللوادر والحفارات، الشمس لا ترحم بأشعتها الحارقة، واللغة السائدة بين العاملين فيها هي لغة الإشارة.

 

نور وحسن ومحمد، ثلاثة أشقاء من منطقة الأشراف بالقرب من منطقة المحاجر بمحافظة المنيا، أكبرهم نور ذو الـ 13 عامًا، بينما يبلغ حسن 10 سنوات، ومحمد أوسطهم، دفعتهم ظروفهم الاقتصادية الصعبة ووفاة والدهم إلى التخلي عن حياتهم الطبيعية لمن هم في مثل عمرهم، للعمل في محاجر الطوب الجيري، غير عابئين بصعوبة المهنة ومتطلباتها التي تتخطى قدرات جسدهم الضئيل، فقط لتوفير لقمة عيش لأسرتهم، هو هدفهم ومبتغاهم.

قبيل أذان الفجر، يستيقظ الأشقاء الثلاثة استعدادًا ليوم جديد من العمل، يوم يُنتقص من عمر طفولتهم ويدفعهم دفعًا إلى عالم الكبار، يستقلون سيارة ربع نقل متهالكة من قريتهم لتصل بهم إلى المحجر.

بمجرد وصولهم إلى مقر عملهم تختفي وجوههم تحت قناع من القماش، بينما تستعد أيديهم الصغيرة المجهدة لبدء يوم جديد في وظيفتهم الشاقة في المحجر، فهم "حمالة"، يحملون الحجارة ويلقونها في الكسارة لتتحول إلى بودرة يتم استخدامها في أعمال البناء، وهكذا يقضون الساعات في تعب متواصل حتى الثانية ظهرًا، وينتهي العمل، بينما الشمس مستعرة في كبد السماء.

تسرب الثلاثة الصغار من المدرسة كرهًا، فمواعيد الدراسة تتزامن مع وقت العمل، ولقد فُرضت عليهم المسئولية فرضًا ولم يكن لديهم بد إلا البحث عن لقمة العيش بين أحضان الجبل شديد البرودة والقسوة، جبل لا يعرف الرحمة، تمامًا كظروف عملهم.

في أرض المحاجر مئات الأطفال مثل نور وحسن ومحمد، تتراوح أعمارهم ما بين 8 و18 عاما ممن دفعتهم ظروفهم إلى هذا العمل المضني، منهم من ورث المهنة عن والده الذي فقد حياته إثر إصابة عمل قاصمة، ومنهم من ساقته الأحوال الاقتصادية المزرية.. صغار ما بين العاشرة والسابعة عشرة ينتشرون فوق الأرض التي اكتست بأبيض الجير، كأنما السماء قد أمطرت ثلوجًا في أكثر بقاع مصر حرارة.

عادة ما تتركز وظيفة الصغار على حمل الطوب الجيري، وبينما ترتعش أيدي المستجدين منهم تحت ثقل القوالب، يحملها القدامى منهم بأيادٍ متمرسة اكتست بالعضلات قبل الأوان بأوان، كل هذا يتم في ظل أجواء لا تعرف للأمان سبيلًا، ويحيطهم الخطر النابع من الأدوات الحادة والخطرة من كل جانب، فالأدوات التي يستخدمونها في العمل لا تقي من الأخطار، وفي حالة إصابة أحدهم أثناء العمل فإنه معرض لفقدان حياته لضعف الخدمات الطبية في المنطقة.

وبالإضافة إلى طفولتهم الضائعة، فإن هناك مخاطر صحية على الصغار جراء هذه المهنة الشاقة، والخطأ عادة بـ"فورة" في ظل غياب المظلة التأمينية للعمال عامة، وبالطبع من ضمنهم الصغار الذين قد يتعرضون للإصابة ببتر الأعضاء أو الإصابة بعاهة مستديمة إثر استغلالهم في أعمال التفجير لاستخراج المواد الخام من باطن الجبل، أو قد يتعرضون للتفحم أو الموت لملامسة الأسلاك المكشوفة المنتشرة في المحجر، وفي أهون الظروف قد يتعرضون للالتهاب الرئوي والتهابات العيون والأمراض الجلدية جراء استنشاق كميات كبيرة من غبار الجير الأبيض أثناء تقطيع الكتل الحجرية.

مع كل هذا الشقاء الذي يلاقيه العمال الصغار فإن حقوقهم المادية التي يتنازلون من أجلها عن طفولتهم "مهضومة"، فبالرغم من أن نسبة كبيرة من العاملين بالمحاجر من الأطفال فإنهم يتقاضون يومية أقل من كافة العمال تبدأ من 100 جنيه، لذا فهم دائمًا الاختيار الأول لأصحاب المحاجر، بالرغم من أن توظيفهم يخالف الفطرة الإنسانية وقانون الطفل المصري 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون 126 لسنة 2008 الذي يحظر تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة.

أكدت الدكتورة هالة أبو على الأمين العام للمجلس القومى للطفولة والأمومة أن قضية عمل الأطفال تأتى على رأس أولويات عمل المجلس، نظرا لأنها من أهم القضايا التى تؤثر على منظومة حقوق الطفل، لافتة إلى أن المجلس يعد حاليا عدد من البرامج لمكافحة الفقر والتى ستساعد بدورها فى منع التحاق أطفال جدد بسوق العمل.

وتابعت قائلة: "وذلك لما له من آثار وخيمة على تمتع الطفل بحقوقه فى التعليم والرعاية والنمو وعلى تكوينه النفسى والجسدى"، لافتة إلى أن المجلس قد اتخذ عدة مستويات للحد من هذه الظاهرة ، فعلى المستوى التشريعى تم إعداد قانون الطفل 126 لسنة 2008 ، والإستراتيجية الوطنية للحد من ظاهرة عمل الأطفال عام 2006 .

وأضافت انه تم إعداد الدليل التدريبى الإرشادى أيضا للجهات العاملة فى مجال مناهضة عمل الأطفال، كما قام المجلس بتنفيذ عدة مشروعات وبرامج تجريبية منها مشروع حماية الأطفال العاملين بالتعاون مع البنك الدولى لمكافحة عمل الأطفال، ومشروع حماية الطفل العامل فى حى منشأة ناصر والدويقة، فضلا عن مشروع حماية الأطفال العاملين بالحرفيين. وأضحت "أبو على" خلال ورشة العمل التى تم عقدها مساء اليوم، الأحد حول "ملامح ومستقبل قضية عمل الأطفال فى مصر"، أن واقع عمالة الأطفال فى مصر يظهر أن عدد الأطفال العاملين فى 2010 يبلغ 1,59 مليون طفل، وفقاً لنتائج المسح القومى لهذه الظاهرة ، وأن 63.8% منهم يعملون فى النشاط الزراعى ، و18.5% فى النشاط الخدمى ، و17.7% فى النشاط الصناعى والذى يفرض علينا جميعاً التعاون والتنسيق المستمر والفعال من أجل بناء منظومة شراكة قوية وفاعلة لمناهضة هذه الظاهرة.

وشددت على أهمية تطوير برامج مكافحة الفقر وهو ما يقوم به المجلس حاليا، وذلك للمساعدة فى منع التحاق أطفال جدد بسوق العمل، وكذلك عودة الأطفال العاملين إلى النظام التعليمى مع ضرورة التعبئة المجتمعية والتوعية الإعلامية بحقوق الطفل وأهمية مناهضة عمل الأطفــــال، مشيرة إلى أن مصر تعد من أوائل الدول التى وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، واتفاقيتى منظمة العمل الدولية 138 بشأن الحد الأدنى لسن العمل.

 

وأضافت الأمين العام للمجلس إن الهدف من هذه الورشة هو النقاش وتبادل الآراء والمعلومات للتعرف على كافة الجهود التى بذلت خلال السنوات الخمس الماضية ، والتى تجرى حالياً فى كافة المجالات الخاصة بعمل الأطفال، فضلا عن وضع أولويات العمل خلال المرحله القادمة والاتفاق على آليات التدخل وتوزيع الأدوار على الجهات المشاركة ، ودور المجلس فيها، وكذلك القاء نظرة حول أخطر المهن التى يمتهنها الأطفال ، وسبل التصدى لها. ومن جانبها عرضت سمية الألفى مدير عام التنمية والنوع بالمجلس القومى للطفولة والأمومة أهم ملامح خطة العمل الخاصة بالقضاء على أسوأ اشكال عمل الأطفال، والاتفاق على الخطوات القادمة لتفعيلها ، وأهم التدخلات التى تمت لعلاج هذه الظاهرة ، وتوزيعها الجغرافى والجهة المنفذة سواء حكومية أو أهلية، وذلك لمعرفة مدى فاعلية هذه التدخلات وعدد الفئات المستهدفة والمستفيدة.

وقالت: " إن من أهداف ورشة العمل السعى لتطوير التشريعات المتعلقة بقضايا عمل الأطفال بهدف تطوير آليات التعامل مع القضية والقضايا ذات الصلة ، ورصد الجهود المبذولة فى هذه القضية"، بالإضافة الى التعرف على أفضل السياسات المقترحة لمناهضة قضية عمل الأطفال، والاتفاق على آليات العمل وتوزيع الأدوار على الجهات المشاركة. وأكدت مدير عام التنمية والنوع بالمجلس، على ضرورة الخروج بخريطة لعمل الأطفال فى مصر بكافة الجهود التى تمت فى كافة المجالات، لافتة إلى أهمية وضع خطة متكاملة للمرحلة القادمة وتحديد الأولويات التى يجب التركيز عليها، بهدف استكمال الجهود المبذولة على أساس علمى وعملى فعال.

يذكر أنه شارك فى حضور هذا اللقاء ممثلى وزارات التعليم، الصحة، التضامن الاجتماعى، والقوى العاملة، الزراعة، وممثلى المنظمات الدولية والمجتمع المدنى.

  1. الاكثر قراءة
  2. مقالات جديدة